الشاعر علي شبيب ورد
شعر ونقد ودراسات عامة
معلومات المدون:
الإسم : علي شبيب ورد
البلد : العراق
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
شاعر وناقد ،عضو أتحاد الادباء والكتاب في العراق

فرقة لكش تتألق في يوم المسرح العالمي

بين توهج الكلمة ويبابها، تكمن روح من يجسدها في فضاء العرض المسرحي، تلك الروح المنوط بها، خلق صورتها المنتجة لمحرضات تخصيب فضاء التلقي. ورغم افتقار المسرح العراقي وخاصة(مسرح الأقاصي) لصالات عرض جديرة بتحقيق الرؤى الإخراجية المعاصرة. لم تغب عن مخيلة المخرجين فكرة تقليل هيمنة النص على باقي مكونات سينوغرافيا العرض، لتحتل الصورة المشهدية مكانها اللائق الذي يناسب عصر التقنيات الحديثة. ورغم تفاوت مستويات الانزياحات الرؤيوية لدى المخرجين بهذا الاتجاه، غير أنه بات من الضروري جدا الابتعاد عن الانصياع التام لتعاليم المؤلف. ليفتتح المخرج عصرا مسرحيا يمكن أن نسميه عصر التحرر الرؤيوي، عبر إقامة علاقة ظن معرفي مع النص، تفضي إلى فعل قرائي تأويلي، يؤسس لنص عرض، هو منطقة شروع، صوب العرض الاتصالي مع التلقي. ونص العرض المسرحي هذا لمسناه خلال تلقينا لعرض مسرحية(أحلام) تأليف(حيدر عبد الله) إخراج(طالب خيون) الذي قدمته(فرقة لكش) يوم 27/3/2009 على قاعة النشاط المدرسي في الناصرية.

بعد تاريخ مشرف من البذل المسرحي منذ التأسيس عام 1993 والى الآن، والذي دوّن حروفه الأولى الفنانون(حسين الهلالي/ طالب خيون/ علي الشطري/ نعمة الهلالي) والملفت للانتباه أن المخرج(طالب خيون) له الدور الأبرز في انجاز عروض هذه الفرقة المسرحية الجادة. حيث أخرج مسرحيات(مملكة الأزرق/ حلم حريز/ المغنون/ كورة سوادي/ بنت البلد( وهي من تأليف (حسين الهلالي) ومسرحية(صفر الأحابيل) تأليف(محمد خضير سلطان) ومسرحية(كلها تريد) تأليف(عدنان شلاش) ومسرحية(مجرد كلام) تأليف(حسين النجار) ومسرحية(اعتداء) تأليف(علي الشطري) كما ألّف وأخرج المسرحيات(وآه ي نجمة/ حريز في البحر/ سيد عذافة/ الدولار( وأيضا أعدّ وأخرج مسرحيتي(يوم القيامة) و(صوت المعلم) فيما ألف مسرحية(الكنز) التي أخرجها(حيدر عبد الله) أما باقي عروض الفرقة فهي كما يلي: مسرحية(لماذا؟) إعداد وإخراج (حيدر عبد الله) ومسرحية(مأساة بائع الدبس) أعداد وإخراج(زيدون داخل) ومسرحية(المفتاح) تأليف وإخراج(حيدر عبد الله).

 والمخرج في عرضه الأخير موضوع تناولنا النقدي العجول هذا، أطلق العنان لمخيلته، في إقامة علاقة تخادم معرفي مع نص المؤلف. وذلك عن طريق تحريض آليات عمل(لو) السحرية في الما قبل(النص) والما بعد(نص ما بعد القراءة) وفي ما تلاهما من صور مجسدة(إبّان التمرين) وصولا لآخر تشكّلاته المشهدية(البروفة الكبرى) ولعله نجح كثيرا في تقطيع وتركيب نص المخيلة(صورة النص الأدبي) ومن ثمَّ إعادة تشكيله عمليا(عبر مكونات العرض الحيّة) وفي مقدمتها حراك الممثلين على الخشبة. والتي منحته فرصة الإفادة من تحولات الرؤى المسرحية لدى(برتولد برخت) وغيره والمتمثلة بمفهوم التغريب الهادف إلى (كسر الإيهام) المربك والمنشط لأفق التلقي. والذي يتحقق عن طريق وعي الممثل لوظيفته المسرحية، عبر مران تفاعلي مع الشخصية وصولا لمرحلة التحكّم بأحاسيسه وأفكاره خلال اللعبة المسرحية. ويرى(ستيفن هيث) وهو من تلامذة برخت أن(التغريب هو جعل المتلقي جزءاً من عملية التحول مما هو ذهني إلى ما هو حقيقي، من الإيهام إلى الحقيقة الموضوعية) وهذا يعتمد على
قدرة الممثل للوصول إلى حالة كسر الاندماج مع دوره في المسرحية، وذلك بتطوير فكرة (الاندماج الأرسطي) لدى(ستانسلافسكي) إلى فكرة(الأداء الواعي للدور) وكذلك من خلال مشاهد(المسرح داخل المسرح) ليتحول الممثل إلى حكمٍ على دوره. كما أن المخرج فعّلَ كثيرا مفهوم هدم الجدار الرابع(جدار الوهم الأرسطي) بين الخشبة والتلقي، عبر افتعال أزمات خلافية خلال العرض، أربكت التلقي وأدهشته لأنها أوقعته في حيرة تصديق أم عدم تصديق ما يراه من مجريات. ولنا أن نشير لهذه اللعب الإخراجية في ما يلي: خروج ودخول الممثلين من والى أدوارهم، من خلال كسر مجريات الأحداث(حركيا وحواريا) إذْ كانوا ممثلين ورواة وجدليين ومشاكسين للجمهور بين حين وآخر. كسر الإيهام(مشهديا) عبر ابتكار مشاهد مناقضة وذلك عبر الاستحضار اللا معقول لشخصية والد شاكر من المقبرة، وبهذه الهيئة الساخرة المثيرة للانقلاب المدهش لدى التلقي. كذلك التداخل بين حوار الممثلين والأغاني المثيرة للمشاعر الإنسانية لدى التلقي والتي من شأنها تفعيل قبول التلقي بالفكرة المنشودة رؤيويا. كذلك اللعبة الإخراجية الواخزة للجمهور والتي بان تأثيرها كثيرا، في خداع بعض النضّارة، وذلك في ما افتعله الممثل(زيدون داخل) من امتعاض، إثر لكمة وجّهت له من الممثل الآخر(شاكر). المسرحية نجحت بامتياز لأن تكون نموذجا طيبا وجادا للمسرح الجماهيري، الذي غزته عواصف المسرح النفعي، منذ عقود خلت. وهي ارتفعت باللهجة الدارجة إلى مرتبة أبعدتها عن الوقوع في الإسفاف اللفظي المحط بالذائقة العريضة غير الودودة مع اللغة الفصحى. كما أنها(ثيميا) عالجت معضلة(حرية المرأة) الأزلية التي غالى في إهمالها مجتمعنا(ذكوري النزعة) وسرمدي الولاء للمألوف والمتعارف.

مع درايتنا بطموح المخرج لتوفر عرضه المسرحي على مكملات أخرى داعمة منتجة لسحرية مشهدية عالية، إلاّ أن الواقع يشير إلى البون الشاسع بين الطموح والممكن. فالإنارة ما زالت في صالاتنا بدائية، لعدم توفر منظومة إنارة، وكذا الحال بالنسبة للمنظومة الصوتية، ومنظومة تقنيات خشبة المسرح، المحركة لمتغيرات الطقوس المشهدية. لقد منحتنا(فرقة لكش) فرصة تلقي عرض مسرحي وبمشاركة واعية مع مجريات أحداثه، وكان لوعينا دورا ملموسا في تنظيم انفعالاتنا الوجدانية التي حرضتها الذروات الدرامية خلال المشاهد. وقد لعب الأداء المثير  لدى الممثلين دورا حاسما في إقناعنا على التواصل مع اللعبة الإخراجية الشيقة. ولا يمكن لنا إلاّ أن نشير إليهم دون استثناء، وهم(علي الشطري/ فاطمة الوادي/ زيدون داخل/ ضياء الساعدي/ شاكر القطيفي/ حميد جثير/ عقيل الصغير/ نور/ إحسان البيروتي/ فؤاد السيد/ الأمير حيدر/ الطفل علي شاكر) دون أن تفوتنا الإشادة بلاعبي الأدوار الرئيسية، وكذلك الإشارة لجهد الفنيين(كاظم جبار/ الديكور) و(علي طالب/ الموسيقى التصويرية) و(أمير ناصر/ مدير المسرح) نكرر تقديرنا للجهد المخرج(طالب خيون) ولفريق العرض المسرحي المخلص لجماليات العمل الإبداعي، ولفرقة لكش وهي تتألق في يوم المسرح العالمي، بعد سفر مسرحي حافل بالبوح المعرفي الجميل. أن عرض مسرحية(أحلام) كان خاتمة فقرات منهاج حفل(نقابة الفنانين العراقيين فرع ذي قار) المتضمن لكلمة النقابة التي قرأها(زكي عطا) و(بطاقة تعريفية ليوم المسرح العالمي) للناقد(جبار وناس) و(قصيدة المسرح ومصباح الشارع) تأليف(عباس منعثر) والتي أجاد في أدائها الممثلين(عباس كاظم) و(عباس ريسان) والموسيقي(سمير كزار) ومنفذ الإنارة(جمال كامل فرحان). وقد أمتعتنا استذكارات الفنانين(محمد حسين عبد الرزاق) و(حازم ناجي) و(زيدان حمود) التي تلتها كلمة(كريم عبد جابر) عن(اتحاد المسرحيين) ثم الفقرة الغنائية الشيّقة للمطرب(ماجد حسين) التي سبقت(بيان يوم المسرح العالمي) بقلم(د.عواطف نعيم) وقراءة(علي عبد النبي الزيدي). ندون تثميننا لحفل نقابة الفنانين هذا، ونشد على يد نقيب الفنانين(علي عبد عيد) على حراكه النشيط، وانفتاحه الملحوظ على الجميع دون استثناء، فنحن بحاجة إلى هكذا توجه يعيد الألفة بين العراقيين لبناء وطن أجمل. 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية