أما نص ( فتاة حقل الرز ) المفتوح والطويل للقاص نعيم عبد مهلهل ، والذي قدّمَ له بمقطع شعري عن خلود أغاني الشعوب ، فهو أشبه ( بكرنفال نصّي ) لنصوص عديدة محتفية بالبيئة والجذور والأبطال المنفيون ، وعن قريته المنفية أيضا والتي وصفها بأنها ( القارة المفقودة عن معول المنقبين ) بدءاً بذلك المساء الموحي بحدوث عرس قروي وبهجة لم تكتمل ، بين عريس غائب عن عيون العسس ، وعروس تنتظر وصوله ليختطفها كما البرق ويعود بها إلى مملكته النائية ، منزوياً في غابة القصب . ويستمر الراوي ( أخو العريس ) بتذكر طفولته منذ العهد الملكي ، متنقلا من حضن أمه إلى حضن ريحانة ( العروس ) والتي كان يصفها أخوه في رسائله ( تمثل وجوداً ساحراً لشيءٍ مفتقد ) ويجوب في ذكرياته عن حبه لريحانة أكثر من حب أخيه لها ، ثم تساؤلاته عن موقف أخيه من تهديد الطوربيدات والبارجات لموانئ سومر، وعن موت أخت ريحانة بشظية ، وعن الحروب الجديدة التي خدشت هدوء القرية التي لا تعرف حروبا سوى المناوشات الصغيرة عندما أعلن مرسوم فرار أخيه عن ( عدالة المملكة ) أو عندما حمل زورق صغير نعش أحد أبناء عمومته كأول شهيد حرب ، قبل أن تفكر واشنطن بحروبها الأخيرة هذه . ويستمر في ذكرياته ، ففي هذا اليوم انفجرت عيون الآلهة السومرية بدموع من حجر أزرق ، ثم يروي لنا حواره مع الجندي المأمور بإحضار النعش ، والذي لمسنا من خلاله إفراطاً في وصف جمال ريحانة ، ثم مشاهد استذكار عن تجواله بشختور على سطوح الماء الخزفية وهو يلهو مع ( الآلهة الصغار ) ويتخيل حواره مع ريحانة عن مصير أخيه الغائب ، ومحاولته والجندي لكتابة مدونات تحتفي بامرأة ( تنسي الشاعر قصيدته والجندي سيفه والصياد سمكته ) ويستمر في حديثه عن القرية والحروب وعن حلمه الذي يصور حضوره لمجلس الآلهة التي أنبأته عن قرب وصول أخيه مع ريحانة ليفن في مدينة النجف ، لتظل ريحانة ( تزرع دايات الرز وتداعب آلهة الماء برذاذ أغانٍ من مختلف اللغات ) . قدم لنا نص نعيم عبد مهلهل الفضفاض ( بانوراما مشهدية ) تحس أن مشاهدها تأتيك دفعة واحدة – رغم التتابع الخطي للكتابة – مشاهد تأخذ من كل شيء لتقول كل شيء ، عبر استذكارات لفيض من الحكايات والانطباعات والتصورات المختلفة ، عن تواريخ شخوص وأحداث صغيرة وكبيرة مسرحتها أمامنا مخيلة الراوي على شكل استذكارات متشظية خارقة للأزمنة والأمكنة ، تمزج الماضي بالحاضر وتستحضر رؤاها لما يأتي بأسلوب شعري حينا وتقريري حينا آخر وبتراكيب لغوية ساخرة ومتهكمة وواخزة ولمّاحة ولكن ماكرة . انه يسفّه الهالات لتعلو رؤاه التهكّمية الصغيرة ، كي تختلط أوراق اللعبة الفنية على التلقي ، فهو على مستوى اللغة يعتمد ( المفارقة اللغوية ) لتتجسد الجملة الغرائبية المدهشة – كما يحدث في قصيدة النثر – لتوليد الصدمة لدى المتلقي . وهو لا يحفل بتواصل البنية الحكائية في سردها الرصين ، وإنّما يدحرج جملاً مرصّعة بانتقاءات لغوية من الأساطير لتشكل الجمل ريازات مشهدية تنافس بعضها بعضا في كسب اهتمام التلقي ن فعندما نقرأ ( ومرةً أتى آنو وقد أعجبه غناء نساء قريتنا في ليالي الحصاد وسط حقول الرز ، وقد جلب لوحاً طينياً ، وبعد ثمالة شيخ الآلهة سرقت اللوح وذهبت به بعيداً عن صخب المحتفلين .... ) نراه يقوم بلعبة ماكرة ومشوقة للتلقي . إنّه نص المقاربة بين الأسطورة والمعاصرة ، بين مكونات السرد من الأجناس لانتاج مراميه لدى التلقي ، نصٌّ ينطوي على تحريف فني لإثارة الدهشة والصدمة بعيدا عن سطوة طقوس الأسطورة وطقوس القمع المعاصر ، ويمكن أن نسمّيه نص ( الفرجة ) الفاضح لطرفي معدلة التلقي ، لطرف النص لتماديه في عرض المعلومات ( للمثاقفة ) ولطرف التلقي لاختبار مرجعياته القرائية . وهو بذلك يشق لنفسه سياقا سرديا خاصاً ، يشتت قواعد السرد التقليدية ، ويصهرها في نسيج يوحي وبمكر ممتع ، بالفضيحة للمأزق الإنساني الذي لا يسعه الكون . ورغم تحفّضنا بعض الشيء على نسيجه الهش ، إلاّ أنه ينفتح على الموروث مستفزّاً إيّاه ، لينثال إليه متناثراً على جسده الرخو بزخرفٍ يزيده إبهارا أو سطوعاً للآتي . انه اشتغال يمدّ مجساته اللاذعة ، لتنخر في خزف جبروت الموروث ، للإطاحةِ بهالاته المهيمنة ، تاركاً المتلقي على هواه ، ليشكل نصّه القرائي على مذبح ( الفرجة ) المشوّق والمؤسس على مرامي منتج النص المبيّته لإعلان الفضيحة وكشف المسكوت عنه . تدخلنا قصة ( أحلام كوديا ) لإبراهيم سبتي ، في أقبية حلمية متداخلة ، فبعد أن يستيقظ بطله من نوم عميق ينتبه إلى هدوء المكان وخاصة غرفة صديقه المجاورة ، ورغم أنه اعتاد على الأحلام منذ عشرات السنين ، إلاّ حلم الليلة الفائتة الذي كان شاقا ومرهقا جدا ، والذي بدا فيه وكأنه يمسك فأساً يهوي به على شجرة كبيرة ، وبضربات متسارعة يتخلّلها بين حين وآخر ، استذكارات حوارية عن انتحار صديقه محترقا ، وتأثير ذلك عليه وتصوراته بأن نهاية العالم قد دنت ، وتوارد الأفكار المتضاربة على رأسه حول ديمومة ونهاية العالم ، ثم يعود لسرد تطورات الحلم مع استمرار ضربات الفأس ، ليتنافذ حلمه مع حلم الملك كوديا ، والمتمثل برؤيته في منامه ، للرجل العظيم الذي بلغ السماء طولا ، وثقل الأرض وزنا ، وقد أحاطت به الأسود من كل جانب والذي أمره ببناء معبد له ، وعن رؤيته للجميلة التي كانت تحمل بيدها اليسرى المعدن الوهاج وباليمنى لوح كتابة السماء المقدسة ، وكيف أنه حار بأمرها . ليعود مرة أخرى إلى حلمه هو باستمرار ضربات الفأس على الشجرة التي أعلنت استسلامها ، ثم مخاطبته للملك كوديا بأنه – أي الراوي – هو العملاق الذي أمره ببناء المعبد ، ثم يخاطبه بالقول ( هل وصلكَ تفسيري لحلمك ) الذي استعصى على مفسري ذلك الزمان ؟ بعدها يتوقف الفأس عن العمل ، لسقوط الشجرة ، التي أسقطها أصدقاءٌ سبقوه بالانتحار ، ليطير هو بعد سقوط الشجرة إلى الأعلى سابحاً بهودجٍ مسوّرٍ بستائرَ شفافة ، كقطعِ ثياب راقصة الشارع ، ومن ثمّ يختفي كما تذوب نقطة في بحر ، ليعلن عن انتهاء الحلم ، بنهوضه من السرير ، وهي عودة إلى المشهد الأول الذي بدأت به القصة . قدم لنا إبراهيم سبتي قصةً تمدّدت على نصٍّ غامضٍ كغموض الراهن الذي عاشه ، وقد يراه البعض مفتعلا ، غير أن الممعن في تضاعيف هذا الجسد الغامض ، يكتشف قصديّة فنية في الكتابة على مثل هذه الشاكلة من النصوص التي سادت تسعينات ذاك القرن ، للخلاص من الفضيحة أمام المؤسسة النقدية القمعية داخل العراق . لقد نهج النص تشكيلا بنائيا محكم المغاليق ، فالراوي فيه حريص على أن يرغمك على الانصياع لتعاليمه المرعبة ، إذْ يدخلك في متاهة أحلام ، بتعاقب مشهدي متنافذ . فمن حلم إلى حلم إلى حلم ، لينتهي إلى نفس المصير المرعب وهو الانتحار ، وفي ذلك إيحاء إلى أن حياة البطل هي أغرب من الخيال ، كل يوم فيها ، هو موت بطيء وقتل دائم للطموح الإنساني المشروع . وهذا يقودنا إلى معادلة صعبة وهي أن ( الحلم = الانتحار ) وقد عمد منتج النص إلى نسيج سردي لا يحفل بسلطة الأمكنة والأزمنة وباقي مكونات السرد التقليدي ، وانما وضع المتلقي ضمن مناخ غامض مرعب ، باستخدام الإيجاز اللغوي والتكثيف المشهدي والتعالق الثيمي ، دون التفريط بتماسك أبنيته المضمرة والمعلنة ، ليدفع بالتلقي إلى انتزاع شفرات لغته وتراكيبه وإيماءاته ، انتزاعا ، لإشراكه في معاناته المرعبة قبل وأثناء وبعد الكتابة . إن غموض النص ، يشير إلى أن ( فنتازيا الواقع = واقعية الفنتازيا ) فأنت عندما تعيش حياةً غرائبية مرعبة لا تطاق ، عليك أن تتعامل معها بمنجز يتجاوز أو على الأقل ، يعادل غرائبيّتها ورعبها . كما أن رتابة حياة الكاتب وضراوتها هي انتحار مستمر وحثيث للزمان والمكان والرؤى والأماني والتاريخ والأسطورة والقيم والمبادئ ، وبحث مستمرّ عن خلاص - ذهني مفترض – من متواليات الإبادة للحرية . إنه يحاول أن يعيد تشكيل واقعه الفنتازي ، بإعادته إلى جذوره الحلمية الكامنة في تضاعيف الأسطورة ، لتخليق نص ، ينطوي على تأويل جديد لنصوص المخيلة المنضّدة في الذاكرة المنتجة ، ومن ثمّ يعيد إنتاجها في نص يمتلك أسطورته هو ، وهذا لن يتم ، إلاّ بالوعي الثاقب لأسرار لعبة السرد عبر الأزمنة . أن منتج النص عندما يخاطب الملك كوديا بالقول ( أنا هذا الرجل العملاق الذي تحيطه الأسود .... أنا الذي طلبت بناء المعبد فوق أرضك السمراء ... ) إنما يحاول أن عصرنة الأسطورة ، بالكشف عن فداحة الوهم الذي تنطوي عليه معتقدات الإنسان عبر التاريخ . ويكشف لنا عن زيف التاريخ الأسطوري والمعاصر الذي كتب بأمر من الملوك . فالملك كوديا قد أسبغَ على نفسه هالة أسطورية من خلال هذا الحلم . فالجميلة هي حبيبته ( نانشا ) وهي نفس أسطورة ( إينانا والعالم السفلي ) وعلاقتها بالإله دموزي ، وهي محاولات درج عليها الملوك والأمراء لامتلاك السلطتين الدينية والدنيوية . كما أن تحطيم الشجرة ( الحلم ) وإسقاطها المتكرر ، هو إسقاط للوهم والخرافة في ماضي وحاضر الإنسان ، والبحث عن الحرية في الفكر والوجود البشري ، وتحقيق الخلود من خلال العمل ( المنجز ) المبدع الخلاق .[ رؤية في الاشتغال المعرفي مع المدونات السومرية ]
الثلاثاء, 19 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








