بخبر عن عزم ( الحبر الأعظم البابا يوحنا ) على زيارة المدينة التاريخية ، مهد الحضارات القديمة ( أور المقدسة ) مدينة إمام الموحدين عبر التاريخ ، نبي الله إبراهيم ، يبتدئ هيثم محسن الجاسم ، قصته ( ينابيع أزلية ) المرتدية لمذكرتين ، الأولى عن طفولة الراوي (عبد الأمير الحمداني / مدير متحف الناصرية ) منذ ولادته في قريته القريبة من أور ، وذكرياته عندما كان وأقرانه يجوبون الحقول لحرث وزراعة الأرض ، وفي المساءات الشتائية يتحلقون حول الموقد ، لسماع حكايات الجدة ، عن الأشباح التي تقطن الزقورة ، وعن الطناطل والكائنات الخرافية وعن أيام الدراسة ومدرس مادة التاريخ ، غي تناوله لموضوع بناء الزقورة من قبل الملك السومري ( أور نمو ) من ثلاث طبقات على أنقاض معابد قديمة من عصر السلالات ، لتكون معبداً للسومريين خاصة عندما تغضب الآلهة وبالتحديد غضب الإله سن ( ننار ) هذا الغضب الذي جلب لهم سنين عجاف ، توالت عليهم بقسوتها المميتة ، وكما يتضح من النص السومري المقتبس ندمن أحد الألواح ، ولكن بعد تقديم القرابين والأضاحي وكل ما يتعلق بطقوس الولاء ، يخرج الإله من العالم السفلي ، لتعود سنون الخير والنماء . ويستمر الراوي في حديثه عن مشاهداته التنقيبية في الأماكن الأثرية لمدينة أور ، وهو يحمل عدة التنقيب ، وبعد مشهد وصفي طويل ، وأثناء تواجده في الأقبية المعتمة للآثار ، نكتشف أنه يرتفع إلى الأعلى ويسقط على الأرض ، لينتفض منتبهاً لصوت زميله وهو يقول ( حرارتك مرتفعة .. استرح قليلا ) ليتّضح لنا بأنه مشهد حلم يقظة . في المذكرة الثانية ، يكشف لنا عن غضبه واستيائه لأن اسمه ورد ضمن قائمة المقبولين في كلية الآداب / قسم الآثار ،ودخوله للدراسة على مضض ، إلى أن التقى بالأستاذ طه باقر ، في محاضرته ( في علم الحضارات ) والتي أذكت في ذهنه جذوة الخلاص من الأوهام المريضة العالقة في مخيلته عن مهنة التنقيب ، ليواصل جهده التنقيبي في علم الحضارات ، وتحوّله إلى مترجم ، مستشهدا لذلك بمقطع من ترجمته هو لمرثية شاعر سومري عن مدينة أور أثناء غزو العيلاميين لها ، وتطور قدراته النظرية والعملية ومفاهيمه العلمية إلى أن ( تطهّرت روحه بمياه الفرات الخالد ) ويزداد افتخاره بانتمائه للمدن السومرية وتراثها الحضاري العظيم . إن هيثم محسن الجاسم ، اتصل بالمنظومة المعرفية للمدونات ، اتصالا حسّيا ووجدانيا ، تدرّجَ مع تطوّر ( سيرة ذاتية ) لإنسان منذ ولادته وطفولته وحتى بلوغه مرحلة النضج والكفاءة العلمية المؤثرة في الآخرين ، من مرحلة الطفولة المشحونة بحكايات الجدة الخرافية وعوالم الأنس والجن المهيمنة على أذهان الأطفال والأحداث في القرية ، وانتقالا إلى محاضرات مدرس التاريخ التي غسلت عن ذهنه كل الترسبات ، نتيجة بيئته القريبة من الآثار وأجوائها الموحشة ، بسبب الإهمال ، وانغلاقها على ألغاز وخفايا ، حاولت مؤسسات التغييب وعلى مرّ العصور ، التسابق فيما بينها ، لطمس معالمها الخفية ، والاستفادة من الآثار ( أيقونياً ) لخدمة مصالحها الضيقة ، في تثبيت دعائم قدريّة تسلّطها ، ومنع كل محاولة من شأنها كشف أسرار المعرفة التي هي ملك الشعوب . وحلم اليقظة لدى الراوي يمثل مدى شغفه وحبه لمهنة التنقيب ، هذا الحب ، شكّلته محفّزات عدة ، أهمّها البيئة ( القرية المجاورة للآثار ) ومحاضرة مدرس التاريخ ، ومحاضرة الأستاذ طه باقر العلمية وغيرها إلى أن تحوّل إلى كادر علمي ، وأخيرا خبر زيارة الحبر الأعظم لمدينة أور ، والذي كان محفزا مهما للكاتب لإنتاج القصة ، باعتبار أن ذلك شكّل وعيا لدى الراوي والقاص على أهمية هذه الزيارة ، ومدى حاجة البشرية إلى تجذير تطورها العلمي والتقني ، من خلال الارتواء بالينابيع الأزلية للحكمة والمعرفة البيئية والإفادة من النفحات الإنسانية والإشراقات الملهمة ، لتصحيح مسارات الارتقاء العلمي للبشرية ، والذي هيمنت عليه المصالح والصراعات النفعية المشوّهة للطبيعة الإنسانية وقيمها وتقاليدها النبيلة . أن المتن الحكائي على المستوى الدلالي ، جاء لتعزيز بوابة النص ( العنوان ) من خلال التطور الذهني لشخصية الراوي ، وكذلك من خلال اهتمام العالم المتمثل بشخص ( الحبر الأعظم ) بالينابيع الأزلية للفكر البشري ، وأيضا من خلال الإفادة من المدونات بـ ( التضمين ) لإسقاط دلالاتها ورموزها على الراهن ، درءاً للفضيحة ، باعتبار أن هذا الإسقاط يمثل بؤرة تقاطع سياسي مع الواقع المعاش إبّانَ زمن الكتابة . أما على المستوى البنائي ، فقد أربك قواعد السرد المألوفة ، عن طريق إجراء تشظية للتتابع التقليدي للحكاية – أحادية الصوت – باتباع محاولات عدة : المقدمة الخبرية / مذكرة أولى / مذكرة ثانية / وما تخلّل ذلك من اقتباس أو حوارات أو محاكاة وغيرها . وأخيرا يمكن القول ، أن البنية السردية للنص ، كشفت بوضوح عن منحى لم يفرّط بالإطار الواقعي والحسي للسرد ، ولم يتمرد كثيرا على آليات السرد التقليدية ، لأنه ظلّ محافظاً على اهتمامه بالرسالة الأخلاقية والوعظية والتعليمية ، باعتبار أن القصة برمّتها ( سيرة ذاتية ) وكتبت بهمٍّ عاطفيّ أعزل . ولو أجرينا قراءة مقاربة استنتاجية لعموم النماذج المنتقاة ، والتي لا تمثل قطعاً كل المشهد الواسع المتشعّب ، لتبيّن أن منتجيها ، اشتغلوا على ذاكرة جمعية واحدة ، وبيئة واحدة ، وزمان واحد ( الآن ) وهمٍّ واحد ، هو الإعلان عن خطاب معرفي كوني ، استمدّ رؤاه من أحداث ووقائع منسابة ، هي أشبه بنسمات عليلة ترسلها قوى كونية تنتمي لكل العصور ولكل الأزمنة وتتحدّث بجميع اللغات وتتناول مواضيع شتى وبلا حدود . إنها بانوراما مبدعة ملونة بمستوياتها وعلاقاتها مع الماضي . ويمكن لنا حصر مستويات هذا الاشتغال كما يلي : 1 - الاعتماد على الطاقات التأويلية الكامنة في الأنسجة الداخلية للملاحم والأساطير ، وهذا المستوى يشمل جميع النماذج . 2 - الاشتغال جاء نتيجة المعايشة الحياتية بشتى مناحيها ، مع الإرث الحضاري ، وهذا ينطبق على جميع النماذج أيضا . 3 - أغلب منتجي النصوص تناولوا تجاربهم الشخصية ، مما يضفي على نتاجاتهم صدق المعاناة في التجربة ، عدا هيثم محسن الجاسم ، الذي تناول تجربة صديق له . 4 - الإفادة من أبعاد الشخصية الأسطورية كالآلهة ، الأبطال ، الملوك ، الكهنة ، وهذا ينطبق على كل النماذج . 5 – التعامل مع الوقائع والأحداث المهمة مثل الملاحم وأعمال الآلهة والملوك وحروب السلالات وغيرها ، وهذا نلمسه في أغلب النماذج . 6 - الاقتباس والتضمين من المدونات ، وخاصة عند أحمد الباقري ، إبراهيم سبتي ، هيثم محسن الجاسم . 7 – التعالق مع الموروث على مستوى الثيمة المركزية ، فلسفيا أو ثقافيا أو اجتماعيا ، مثل الخلود / أحمد الباقري . الزواج / محسن الخفاجي . الحلم / إبراهيم سبتي . 8 – استخدام الأمكنة والأبنية بأبعادها الأسطورية والتاريخية ، كمحفزات محرضة لآليات السرد ومناخات داعمة لفضاءات القص . كاستخدام أحمد الباقري للمتحف ، ومحسن الخفاجي لآثار لجش ، ونعيم عبد مهلهل للأهوار والقرية . 9 – تدمير هالة الخطاب الأسطوري والملحمي ، ونلمس ذلك جلياً في الأسلوب الساخر والتهكّمي والانتقائي لدى نعيم عبد مهلهل . 10 – ذوبان السابق باللاحق ضمن نسيج سردي متماسك ومنغلق أحيانا ، كما هو واضح عند إبراهيم سبتي . أجرينا فيما سبق ، قراءة معاينة وفحص ، لآليات اشتغال مشهد قصصي ، فرسانه ، جوّابو أزمنة الحكمة بزوارق الدهشة في أهوار أساطير الجنوب ، تلك المنافي التي سكنها أجدادهم ، سدنة المعابد السومرية ، وتعفّروا بعبق العشق الإنساني المتوارث عبر ذاكرة جمعية صادقة نبيلة ، ذاكرة أسيلة أبحرت كما الأحلام ، لا تنصاع لعصر أو مدينة أو انحياز . مشهد جدير بالاهتمام ، بوصفه مشهد ، جذّرت منجزه الأصالة ، بحكم انتمائه الوراثي والبيئي لحضارة تستبطن مدونات تكتنز الحكمة والمعرفة الكونية . حضارة أبطالها في حوار متواصل مع رواة المشهد القصصي ، ويتفكّرون معاً ، للتّعامل الخلاق مع أقبية منفاهم القسري ، أملاً بتحويل إشكالية وجودهم القدري إلى إشكالية عالمية ، لتنفتح على فضاء إنساني مشرق ، بعيداً عن هيمنة الانحيازات والحدود والمظلات وكل ما ينضوي تحت عناوين المصالح ضيقة الأفق ، وتغادر إلى الأبد أنصاف الحقائق والقتامات وألاعيب الجشع والمنافع ، بروحٍ حالمة وثّابةٍ للإنساني والشامل والنبيل ، بمخيلاتٍ موهوبةٍ ونقيةٍ نحو الاكتشاف والخلق . انهم مبدعون أوريّون ، دوّنوا همومهم على ألواح العصر لتكحِّلَ مقلَ الآتي . وعسانا وفِّقْنا في إنصاف هذا المشهد الإبداعي الجاد . فانتبهوا إليه والى أسرار مدوناته المبدعة . ________________________________ إشارات : كتاب نشأة القصة وتطورها في العراق / د . عبد الإله أحمد – دار الشؤون الثقافية العامة 1986 قصة تفرعات من حوار مع سدوري / مجلة الأقلام ( العدد 1- 4 ) 1996 قصة شارع الزواج في لجش / مجموعة ( إيماءات ضائعة ) منشورات اتحاد الكتاب العرب 2002 قصة فتاة حقل الرز / مجلة الموقف الأدبي السورية ( عدد حزيران ) 2003 وضمن مجموعته ( فتاة حقل الرز ) الصادرة عن دار الضياء للطباعة والنشر في النجف 2006 قصة أحلام كوديا / مجلة أسفار العراقية ( عدد 12 ) أيلول 1992[ رؤية في الاشتغال المعرفي مع المدونات السومرية ]
الثلاثاء, 19 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








